الإمارات تنقل الرعاية الصحية من الوقاية التقليدية إلى الاستشعار المبكر للمخاطر

الإمارات تنقل الرعاية الصحية من الوقاية التقليدية إلى الاستشعار المبكر للمخاطر

أبوظبي في 17 أغسطس/ وام / تتجه منظومة الرعاية الصحية في دولة الإمارات نحو نموذج أكثر استباقية، يجعل الوقاية والكشف المبكر واستشعار المخاطر الصحية ركائز أساسية للرعاية، مستفيدة من قدرات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وتقنيات الجينوم والطب الدقيق، إلى جانب الفحوص الوقائية وبرامج التوعية الصحية، بما يتيح رصد المخاطر الصحية في مراحل مبكرة والتدخل قبل تحولها إلى أمراض أو مضاعفات.

وتتوزع ملامح هذا النموذج على مجموعة من المبادرات والبرامج التي شهدها عام 2026 وتجمع بين التكنولوجيا والعلوم الطبية والتوعية المجتمعية، وتستهدف جعل الوقاية والكشف المبكر جزءاً محورياً من رحلة الرعاية الصحية، بدءا من تحديد المخاطر الوراثية وصولاً إلى التنبؤ بمضاعفات الأمراض المزمنة والحالات الحرجة.

وتجسد مبادرة "مستقبل الصحة – مبادرة عالمية من أبوظبي" إحدى أبرز صور هذا التوجه، باختيارها لعام 2026 شعار "نحو نظم صحية تستشعر المخاطر استباقياً"، مع أربع مجالات رئيسية تشمل الصحة المديدة والطب الشخصي الدقيق، والصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومرونة واستدامة أنظمة الرعاية الصحية، والاستثمار في علوم الحياة.

ويعكس هذا التوجه تحولاً في مفهوم الوقاية، بحيث لا تقتصر على الفحوص الدورية والتوعية، وإنما تشمل استخدام البيانات والمؤشرات الصحية للتنبؤ بالمخاطر وتحديد التدخلات المناسبة في وقت مبكر.

وفي مجال الجينوم، يتيح برنامج الفحوصات الجينية للمواليد الجدد في أبوظبي الكشف المبكر عن أكثر من 815 حالة وراثية قابلة للعلاج، بينها حالات قد لا تظهر أعراضها عند الولادة، لكنها يمكن أن تؤثر على صحة الطفل مستقبلاً.

كما يغطي برنامج الاختبار الجيني ضمن الفحوصات قبل الزواج 570 جيناً لأكثر من 840 حالة طبية، فيما تسهم تقنيات الصيدلة الجينية في مساعدة الأطباء على اختيار الأدوية والخيارات العلاجية الأكثر ملاءمة للتركيب الجيني للمريض.

ويمتد استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي إلى فهم السلوك الصحي، من خلال مشروع "البصيرة السلوكية" الذي يربط العلوم السلوكية بالبيانات الضخمة لفهم العوامل المؤثرة في الخيارات الصحية للأفراد، وتحويلها إلى مؤشرات تساعد في تصميم تدخلات وقائية أكثر دقة.

وتستهدف المنصة في مرحلتها الحالية تحديات صحية من بينها السمنة والسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية، عبر تدخلات موجهة تشمل الإشعارات الذكية والمحتوى التوعوي المصمم وفق الفئات السلوكية المختلفة.

وفي المنشآت الصحية على مستوى الدولة، تتنوع تطبيقات الذكاء الاصطناعي بين تحليل صور أشعة الثدي ورصد مواضع الاشتباه، واستخدام أنظمة إنذار ذكية للتنبؤ بالتسمم الدموي والصدمة الإنتانية قبل حدوثها، وتقنيات وتطبيقات للتنبؤ بمضاعفات الحمل ومراقبة الأطفال الخدج، والتنبؤ المبكر بنوبات الصرع والتشنجات لدى الأطفال، كما تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل صور شبكية العين والكشف المبكر عن مضاعفات السكري.

ويأخذ مفهوم الوقاية بعداً أوسع مع محور "العمر الصحي المديد" الذي أطلقته مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية، ويجمع بين العلوم الجينية والطب التجديدي والذكاء الاصطناعي ضمن منظومة قائمة على البيانات.

وتتضمن المبادرة تحليل الجينوم وتقييم المخاطر الصحية وتحديد العمر البيولوجي باستخدام الذكاء الاصطناعي، إلى جانب أدوات لتحليل تخطيط القلب وتقدير عمر الشبكية وقياس عوامل الالتهاب وتحليل المشي والحركة، بما يساعد على التنبؤ بمخاطر الأمراض المزمنة ووضع استراتيجيات وقائية مخصصة.

ويأتي برنامج "اطمئنان " ضمن هذا المسار، والذي يعد أحد الركائز الوطنية للصحة الوقائية وطول العمر ويهدف إلى تعزيز الأمان الصحي عند الأفراد عبر الانتقال من الرعاية العلاجية إلى الرعاية التنبؤية الاستباقية.

يتضمن البرنامج في مرحلته الأولى منظومة ذكية لرصد المؤشرات الصحية الحيوية بشكل دوري، مدعومة بتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن المخاطر وتقديم توصيات وقائية مخصصة، إلى جانب إعداد خطط صحية فردية وخطة أسرية موحدة تعزز أنماط الحياة الصحية والوقاية من الأمراض المزمنة.

وبالتوازي مع الحلول التقنية، تبرز التوعية المجتمعية والفحوص الدورية كعنصر أساسي في الوقاية، حيث سجل "سباق مكافحة السرطان 2026 " في أبوظبي رقماً قياسياً في موسوعة "غينيس" بمشاركة أكثر من 5 آلاف متنافس من 71 جنسية، في إطار حملة تستهدف نشر الوعي بأهمية الفحص الدوري والكشف المبكر عن السرطان وتشجيع أنماط الحياة الصحية.

وتجمع المنظومة الصحية الإماراتية بذلك بين الفحص المبكر والبيانات والجينوم والذكاء الاصطناعي والتوعية الصحية، في نموذج يركز على استشعار المخاطر قبل تحولها إلى أمراض أو مضاعفات، ويدعم هدفاً أوسع يتمثل في زيادة سنوات الحياة الصحية وتحسين جودة حياة أفراد المجتمع.