قطاع الفضاء الإماراتي.. من بناء القدرات إلى صناعة القيمة

قطاع الفضاء الإماراتي.. من بناء القدرات إلى صناعة القيمة

أبوظبي في 3 أكتوبر/ وام/ تحول قطاع الفضاء في دولة الإمارات من مجرد ميدان للمهمات العلمية والاستكشاف، وساحة لإطلاق الأقمار الاصطناعية، إلى قطاع اقتصادي متكامل تتقاطع فيه البنية التحتية، والتصنيع، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، والبحث والتطوير، والاستثمار، والشراكات الدولية، وتنمية المواهب.

وتكشف التطورات التي شهدها القطاع خلال عام 2026 عن انتقال لافت من مرحلة بناء القدرة الفضائية إلى مرحلة توسيع نطاق استخدامها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية وتقنية ومعرفية، مدفوعة برؤية وطنية ذات أبعاد إستراتيجية تستهدف مضاعفة عائدات اقتصاد الفضاء، ورفع القيمة المضافة للقطاع بنسبة 60%، ومضاعفة عدد الشركات الوطنية والناشئة، وزيادة الاستثمارات في الأصول ومرافق البنية التحتية، وتوسيع حضور الصادرات الفضائية الإماراتية في الأسواق العالمية.

وجاءت الإستراتيجية الوطنية لقطاع الفضاء 2031 التي اعتمدها مجلس الوزراء في مارس الماضي، لتضع الاقتصاد بصورة صريحة في صلب المرحلة المقبلة، مستهدفة أن تكون المنظومة الفضائية في الدولة الأكثر مرونة وجاذبية للاستثمار، وتحقيق الريادة العالمية في الشراكات الفضائية والوصول إلى الأسواق، وتطوير بنية تحتية ومرافق فضائية بمعايير تنافسية.

وتكتسب هذه المستهدفات دلالتها من حجم المنظومة التي تم بناؤها بالفعل؛ إذ أظهرت نتائج الإستراتيجية السابقة تطوير 30 قمراً صناعياً، فيما تجاوز عدد المؤسسات العاملة في الاقتصاد الفضائي في الدولة 170 مؤسسة.

وفي هذا السياق، برزت «سبيس 42» نموذجاً لانتقال القيمة من القمر الاصطناعي إلى ما ينتجه من بيانات وخدمات، ففي يونيو دخلت الأقمار «فورسايت-3» و«فورسايت-4» و«فورسايت-5» مرحلة التشغيل الكامل، لتصبح الكوكبة مكونة من خمسة أقمار لرصد الأرض، توفر تحليلات جيومكانية عالية الدقة، واستُكملت عمليات التجميع والاختبار الأساسية في أبوظبي، فيما يدعم التعاون مع «آيس آي» نقل التكنولوجيا وتوطين سلاسل التوريد.

وتصل دقة التصوير إلى 25 سنتيمتراً، بينما يحول مركز «GIQ» المدعوم بالذكاء الاصطناعي البيانات الأولية إلى معلومات داعمة للقرار خلال دقائق، مع إمكان تقليص زمن الاستجابة للطوارئ بنسبة تصل إلى 90% وخفض تكاليف الصيانة التنبؤية بنسبة تصل إلى 30%، وهنا تتسع معادلة الاقتصاد الفضائي حيث لا تتوقف القيمة عند تصنيع القمر أو إطلاقه، بل تمتد إلى البيانات وتحليلها وتحويلها إلى خدمة.

وفي مايو، شهدت الإمارات إطلاق برنامج التعاون الفضائي الدولي، بتخصيص مليار درهم لدعم التعاون الدولي في البحث والتطوير الفضائي.

ويستهدف البرنامج ربط المؤسسات البحثية والأكاديمية الوطنية بنظيراتها العالمية والشركات، وتسريع تطوير التقنيات، ونقل المعرفة، وتحويل مخرجات البحث والتطوير إلى تطبيقات وصناعات ذات قيمة اقتصادية مستدامة، بما يدعم توطين التقنيات وبراءات الاختراع وتأهيل الكوادر.

واتضحت ملامح التصنيع الفضائي بصورة أكبر في سبتمبر، مع إعلان «مارلان سبيس» و«لوفت أوربيتال» قيادة تحالف يستثمر مليار دولار في فرنسا لتطوير «الطائر – الجيل الجديد»، على أن تصنع الكوكبة في أبوظبي.

وتشمل المرحلة الأولى 50 قمراً مزودة بتقنيات رادارية وبصرية وقدرات حوسبة، فيما بدأت بالفعل صناعة أول عشرة أقمار.

ويعكس المشروع نموذجاً يجمع رأس المال والقدرات التصنيعية الإماراتية وسلاسل التوريد الأوروبية، مع منشأة قادرة على التوسع من 10 إلى 50 قمراً.

وبالتوازي، وقعت «سبيس 42» و«فياسات» اتفاقية ملزمة لتأسيس «إكواتيس»، بمنصة مشتركة للبنية التحتية الفضائية والأرضية، مع مساهمات رأسمالية أولية مشتركة تصل إلى مليار دولار، لتوسيع تغطية شبكات الهاتف المحمول في المناطق التي لا تصل إليها الشبكات الأرضية.

ولا يقتصر هذا الاقتصاد على المدار؛ ففي يناير دخلت تقنيات الفضاء والذكاء الاصطناعي مجال حماية الحبارى، وفي سبتمبر استخدمت «ميرا آيروسبيس» منصة عالية الارتفاع لمراقبة حرائق الغابات في إسبانيا، بينما أثبت «ليوناف-1» قدرته على استقبال ومعالجة إشارات الملاحة من المدار، بما يفتح تطبيقات للنقل الذكي والطيران والمركبات ذاتية القيادة.

وعلى المستوى العلمي، مدد «مسبار الأمل» مهمته 3 أعوام إضافية، مواصلاً جمع البيانات حول الغلاف الجوي للمريخ، بعدما أتاح أكثر من 10 تيرابايت من البيانات العلمية ونشر أكثر من 35 ورقة علمية محكمة، وساهم في تطوير أكثر من 58 طالباً إماراتياً.

من جانبها، تواصل مهمة الإمارات لاستكشاف حزام الكويكبات تقدمها، بوصفها مهمة تمتد 13 عاماً لدراسة سبع كويكبات، وتخصص 50% من أعمالها للقطاع الخاص، مستفيدة من دعم الصندوق الوطني للفضاء البالغ نحو مليار دولار.

بدوره، استكمل مركز محمد بن راشد للفضاء في سبتمبر الماضي، دمج حمولة «RTx» على «راشد 2»، استعداداً لمهمته إلى الجانب البعيد من القمر، في تعاون علمي وتقني يتيح دراسة باطن السطح بعمق يصل إلى 100 متر، مع بحث فرص توظيف التقنية في تعاون مستقبلي حول قاعدة قمرية مستدامة.

وتواكب هذه المشاريع استثمارات في الإنسان؛ من «هاكاثون الفضاء للشباب العربي» وأكاديمية الفضاء الوطنية، إلى برنامج «رواد المستقبل للفضاء» الذي أطلقته «سبيس 42»، وبرامج إشراك الطلبة والباحثين في مهمات «ليوناف-1» و«SEO».

وتكتسب هذه الجهود دلالة إضافية مع ارتفاع عدد الجهات العاملة في القطاع إلى ثلاثة أضعاف بين 2020 و2025، وتضاعف عدد الجامعات الإماراتية التي تقدم برامج متخصصة في الفضاء بين 2015 و2025.

كما رسخت الإمارات حضورها في حوكمة الفضاء والتعاون الدولي، برئاسة فريق الخبراء الدولي المعني بالوعي بالحالة الفضائية، وتعزيز التعاون الفضائي مع دول عدة مثل فرنسا والهند وروسيا، وتوقيع مذكرة مع وكالة الفضاء الأفريقية للتعاون في رصد الأرض والكوارث والأمن الغذائي وتنمية الكفاءات.

وتكشف حصيلة تطورات قطاع الفضاء الإماراتي في 2026، عن تغير جوهري في بنية القطاع الذي انتقل من مرحلة إطلاق المهام نحو بناء سلاسل قيمة تشمل التصنيع والتجميع والاختبار، والتشغيل، وتحليل البيانات، والخدمات.