دبي في 14 أكتوبر /وام/ كشف محمد العبار، المؤسس والعضو المنتدب لشركة إعمار العقارية، عن خطط لاستثمار أكثر من 16 مليار دولار في سوريا، من خلال مشروعات للتطوير العقاري والسياحي، مؤكدا أن الأسواق التي تواجه تحديات اقتصادية وجيوسياسية توفر فرصا استثمارية واعدة، شريطة الاعتماد على دراسات الجدوى والالتزام بالتنمية الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية.
جاء ذلك خلال جلسة حوارية بعنوان "البناء عبر الدورات الاقتصادية"، ضمن أعمال قمة "رايز 2026"، التي عقدت اليوم في مركز دبي التجاري العالمي، وأدارها دان مورفي، المذيع والمراسل في شبكة "سي إن بي سي" (CNBC)؛ حيث استعرض العبار تطورات الأسواق العقارية، وفرص الاستثمار في سوريا، ومستقبل قطاع التطوير العمراني في ظل التحولات التكنولوجية والاقتصادية العالمية.
وأوضح أن حجم الاستثمارات المرتقبة في سوريا يتراوح بين 16 و17 مليار دولار، مشيرا إلى أن البلاد تمتلك موارد طبيعية وبشرية كبيرة، تشمل الأراضي الزراعية والمياه والنفط والغاز، إلى جانب الكفاءات المحلية، ما يوفر مقومات مهمة لتنفيذ مشروعات تنموية طويلة الأمد.
وأشار إلى أن زيارته الأخيرة لسوريا أتاحت له الاطلاع على فرصها الاستثمارية، معربا عن تقديره لكفاءة المسؤولين ومستوى التعاون الذي لمسه، مؤكدا أن القرارات الاستثمارية يجب أن تستند إلى اعتبارات اقتصادية وتجارية واضحة، وأن تسهم في توفير فرص العمل وتأسيس الأعمال وتنشيط الاقتصاد المحلي ودعم الإيرادات الحكومية.
وشدد على أن المشروعات الاستثمارية الكبرى قد تمتد إلى 20 عاما، ما يستدعي بناء علاقات مستدامة مع المجتمعات المحلية والالتزام بالشفافية والمسؤولية الاجتماعية، موضحا أن الشركات الإماراتية المستثمرة خارج الدولة تتحمل مسؤولية المساهمة في التنمية وتحسين جودة الحياة في الأسواق التي تعمل فيها.
وفيما يتعلق بأداء "إعمار العقارية"، كشف العبار أن قيمة الأعمال العقارية المتراكمة لدى الشركة تبلغ نحو 150 مليار درهم، مؤكدا استمرار انتظام المشترين في سداد التزاماتهم المالية بمستويات مماثلة لعام 2025، بل أفضل في بعض الجوانب، رغم التحديات التي تشهدها الأسواق.
وأوضح أن الشركة تبيع عادة نحو أربعة آلاف وحدة عقارية شهريا، فيما ارتفع عدد إلغاءات الحجوزات من نحو 600 وحدة خلال عام 2025 إلى 1200 وحدة خلال فترة التوترات الإقليمية، قبل أن يتراجع حاليا إلى أقل من 600 وحدة، معتبرا أن هذا الانخفاض يعكس تحسن ثقة المشترين ومرونة الطلب العقاري.
وأشار إلى أن حجم المبيعات الحالي لا يزال أقل من المستويات السابقة، إلا أن اتجاه السوق يظل إيجابيا، لافتا إلى أن انتظام سداد الدفعات يمثل أحد أهم المؤشرات الفعلية على قوة القطاع العقاري، خصوصا أن شراء العقارات يعد من أكبر القرارات المالية للأفراد.
وأكد العبار أن "إعمار" لا تقدم خصومات ولا تغير شروط السداد حتى في فترات تباطؤ المبيعات، حرصا على العدالة بين المشترين وحماية مصالح العملاء الذين سبق أن اشتروا وحداتهم بالأسعار المعتمدة.
وأوضح أن بعض المطورين العقاريين يلجأون إلى تقديم خصومات كبيرة لإدارة تدفقاتهم النقدية والوفاء بالتزاماتهم، خصوصا في ظل ارتفاع مستويات المديونية، مشددا على أن أوضاع السوق تختلف وفقا لموقع المشروع والمطور العقاري ومركزه المالي.
وقال إنه لا يمكن منح مشتر جديد خصما بنسبة 30% على وحدة عقارية في مبنى سبق أن اشترى فيه آخرون وحداتهم بالسعر الكامل، مؤكدا تمسك الشركة بسياسة تسعير مستقرة تحافظ على ثقة العملاء.
وأشار إلى أن أسعار العقارات في دبي والإمارات لا تزال تنافسية مقارنة بأسواق عالمية مثل لندن وسنغافورة وشيكاغو ومومباي، داعيا إلى تقييم الأسعار وفقا لتكلفة المتر المربع وطبيعة الموقع والمشروع، وليس من خلال متوسطات السوق وحدها.
ولفت إلى أن هوامش أرباح المطورين في دبي ليست بالضرورة الأعلى عالميا، مستشهدا بمقارنة بين تكاليف البناء وأسعار البيع في دبي وبلغراد، حيث تختلف العوائد وفقا لظروف كل سوق وحجم المبيعات.
وفي قطاع الضيافة، أشار العبار إلى تحسن معدلات الإشغال لتتراوح بين 60% و65%، واصفا إياها بأنها مستويات جيدة في الظروف الحالية، موضحا أن الشركات استفادت خلال السنوات الأربع الماضية من معدلات نمو تراوحت بين 20% و30%، ما ساعدها على تكوين احتياطيات مالية تمنحها القدرة على مواجهة فترات التباطؤ.
وأكد أهمية الاستعداد المسبق للتقلبات الاقتصادية، مستشهدا بتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، بشأن ضرورة الاستعداد للأوقات الصعبة خلال فترات الازدهار، باعتبار أن الأسواق تمر بدورات متعاقبة من النمو والتباطؤ.
وفي سياق متصل، أشار العبار إلى تنفيذ أكثر من 200 ألف عملية توصيل يوميا ضمن الأنشطة التجارية التي تحدث عنها، مؤكدا أن استمرار هذه العمليات يعكس كفاءة الخدمات اللوجستية وحيوية النشاط الاستهلاكي.
وأوضح أن المنصات الرقمية توفر بيانات يومية حول أعداد المستخدمين وأنماط المشتريات ومعدلات الاستهلاك، بما يتيح متابعة أداء الأسواق بصورة مباشرة واتخاذ قرارات تشغيلية تستند إلى مؤشرات فعلية.
وكشف العبار عن امتلاك "إعمار" تصميما مكتملا وجاهزا لمبنى جديد ومميز، وذلك ردا على سؤال بشأن إمكانية تطوير ناطحة سحاب جديدة تضاهي برج خليفة، مشيرا إلى أن الشركة تترقب تحسن الظروف المرتبطة بالخدمات اللوجستية والموانئ وسلاسل التوريد قبل المضي في تنفيذ المشروع.
وأكد أن قطاع التطوير العمراني يشهد تحولات متسارعة بفعل التكنولوجيا الحديثة، مستعرضا تجربة تشييد مبنى مكون من 15 طابقا خلال 12 يوما باستخدام تقنيات البناء الآلي والروبوتات، مع تحقيق كفاءة أعلى في استهلاك الطاقة بنسبة 100% وقدرة على مقاومة الزلازل تصل إلى أربعة أضعاف المباني التقليدية، بحسب ما أورده خلال الجلسة.
وأوضح أن هذه التطورات تفتح آفاقا جديدة لتسريع تنفيذ المشروعات وتحسين كفاءة البناء، مع استمرار الحاجة إلى العنصر البشري في الإشراف وإدارة العمليات، مؤكدا أن الوصول إلى مبان تنفذ بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي دون تدخل بشري لا يزال تحديا مستقبليا.
وفي محور الذكاء الاصطناعي، حذر العبار من أن الشركات التي لا تدمج هذه التقنيات بصورة عميقة في عملياتها خلال الأشهر الإثني عشر المقبلة قد تتراجع سريعا أمام منافسيها، في ظل التطور الكبير في قدرات الأنظمة الذكية على تحليل البيانات والتنبؤ وتحسين جودة القرارات.
وأشار إلى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تسهم في تطوير قطاعات التجزئة والتصنيع والعقارات، ورفع كفاءة المؤسسات وتحسين خدمات العملاء، كاشفا عن استخدامه تطبيق "Dots" للاستفادة من إمكانات هذه التقنيات في أعماله اليومية.
وأوضح أن تجربته مع شركة "نون" أسهمت في تعزيز معرفته بالتكنولوجيا الحديثة، مشيرا إلى أن التغيرات التي يحدثها الذكاء الاصطناعي في العمليات التشغيلية تتجاوز التوقعات، وتفرض على الشركات إعادة النظر في هياكلها وأساليب إدارتها.
وكشف عن الاستعانة بمهندسين متخصصين في الذكاء الاصطناعي ضمن فريق عمل جديد مرتبط بأعمال التطوير، مؤكدا أن العثور على كفاءات قادرة على تصميم وتشغيل وكلاء الذكاء الاصطناعي بكفاءة يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه الشركات.
وشدد على أن التطور التكنولوجي لا يعني الاستغناء عن الكفاءات البشرية، بل يتطلب تطوير مهاراتها وتعزيز التكامل بينها وبين الأنظمة الذكية، بما يرفع الإنتاجية ويحسن أداء المؤسسات.
وفي حديثه عن التجارب العالمية في التطوير العمراني، أشاد العبار بالتقدم الذي حققته الصين في تقنيات البناء وتخطيط المدن وتطوير البنية التحتية، مشيرا إلى أن دبي استفادت خلال مسيرتها التنموية من خبرات دول ومدن عالمية، شملت الولايات المتحدة وسنغافورة وهونغ كونغ ولندن.
وأوضح أن الصين تمتلك اليوم خبرات واسعة في تنفيذ المشروعات العمرانية بسرعة وكفاءة، مستشهدا بزيارته مدينة شيامن وما شاهده من تطور اقتصادي وعمراني كبير، مؤكدا أهمية الاستفادة من هذه التجارب في تطوير المجتمعات المستقبلية.
وأشار إلى أن كثيرا من الإنجازات الصينية لا يحظى بالاهتمام الإعلامي العالمي الكافي، بسبب حواجز اللغة والتركيز الإعلامي على التجارب الغربية، داعيا إلى الانفتاح على مصادر المعرفة والتكنولوجيا المختلفة.
وحول قدرة الأسواق على مواجهة الأزمات، أكد العبار أن التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية ليست ظاهرة جديدة، وأن العالم شهد عبر تاريخه أزمات متكررة، إلا أن الدول والمؤسسات القادرة على التعلم والتكيف تخرج منها أكثر قوة وخبرة.
واستشهد بتجربة دولة الإمارات في التعامل مع الأزمة المالية العالمية عام 2008 وجائحة "كوفيد-19"، مؤكدا أن قوة النظام المصرفي والانضباط المالي واستمرارية الخدمات والأنشطة الاقتصادية تعكس متانة المنظومة الاقتصادية للدولة.
وأشار إلى أن استمرار حركة التجارة والتسوق والخدمات اللوجستية وانتظام الحياة اليومية، إلى جانب شعور السكان بالأمان والثقة بالمستقبل، تمثل مؤشرات مهمة على مرونة الاقتصاد الإماراتي وقدرته على تجاوز التحديات.
وأكد أن مسؤولية المطور العقاري لا تنتهي عند بيع الوحدات السكنية وتسليمها، بل تمتد إلى المحافظة على سلامة السكان وتوفير الخدمات والبيئة الملائمة للأسر والأطفال داخل المجتمعات العمرانية.
وشدد العبار على أن التخطيط طويل الأمد والاستثمار في التكنولوجيا وتطوير الكفاءات البشرية والمحافظة على ثقة العملاء تمثل ركائز أساسية لاستدامة نمو الشركات وتعزيز قدرتها على مواجهة التحولات العالمية، مؤكدا أن السعي المستمر إلى تحسين الأداء والاستعداد للمخاطر يشكلان أساس النجاح في بيئة اقتصادية متغيرة.