أبوظبي في 29 أكتوبر / وام / أطلق مركز جامع الشيخ زايد الكبير المرحلة الثانية من مبادرة "إسهامات العلماء المسلمين"، استجابةً لتوجيهات سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة، الرامية إلى تسليط الضوء على الدور الحضاري للعلماء المسلمين عبر العصور، بهدف إبراز الإسهامات العلمية الرائدة للحضارة الإسلامية ودور العلماء المسلمين في تأسيس العديد من العلوم الحديثة.
وتأتي المبادرة انسجامًا مع رؤية دولة الإمارات في حفظ الموروث الثقافي الإنساني، وامتدادا للرسالة الثقافية التي يجسدها متحف "نور وسلام" في المركز، بوصفه منصة تعرف العالم بعمق الحضارة الإسلامية وقيمها الإنسانية.
وتتضمن المرحلة الثانية من المبادرة حزمة متكاملة من البرامج والفعاليات الثقافية، تضمنت معرضًا يوثق إسهامات العلماء المسلمين، وجلسات حوارية، وسلسلة ثقافية مرئية، وأنشطة تساهم بمحتواها الثقافي في إثراء المشهد الثقافي في إمارة أبوظبي، ويعزز الجامع من خلالها حضوره كمنصة معرفية وحضارية.
وشهد انطلاقة المرحلة الثانية من المبادرة، التي تحمل عنوان "الجغرافيا والأدب والاجتماع"، عدد من السفراء لدى الدولة، وممثلي الجهات، والمختصين والمهتمين بالشأن الثقافي والمعرفي، وطلبة المدارس.
وتسلط هذه المرحلة الضوء على الدور الريادي للعلماء المسلمين في هذه المجالات، ضمن تجربة معرفية تتوجه إلى مختلف الضيوف من ثقافات متعددة.
وأكد سعادة الدكتور يوسف العبيدلي، مدير عام المركز، أن المبادرة تجسد حرص المركز على إبراز الدور الحضاري للعلماء المسلمين وإسهاماتهم في تطور العلوم والمعارف الإنسانية.
وقال: "تأتي المرحلة الثانية من المبادرة امتداداً للرسالة الثقافية والمعرفية التي يجسدها المركز، وحرصه على التعريف بثراء الحضارة الإسلامية وتنوع نتاجها الفكري والأدبي، وتسليط الضوء على إسهامات العلماء المسلمين في مجالات الجغرافيا والأدب وعلم الاجتماع، وأثرها في مسيرة الحضارة الإنسانية، ما يعزز الوعي بإرثهم الحضاري، ويبرز أثره في تشكيل المعرفة الإنسانية وتطورها عبر العصور".
ويتيح معرض "إسهامات العلماء المسلمين" لزائريه استكشاف أبرز الإسهامات العلمية للعلماء المسلمين ضمن ثلاثة محاور رئيسة، إذ يسلط محور الجغرافيا الضوء على أعمال محمد الإدريسي وابن بطوطة، من خلال كتابه "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، وزكريا القزويني، صاحب كتابي "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات"، و"آثار البلاد وأخبار العباد"، ودورهم في وصف البلدان وتوثيق أحوال الشعوب ورسم خرائط العالم، ويحتفي محور الأدب بإسهامات الحريري، من خلال "مقامات الحريري" التي تجمع البلاغة والسرد وتصوير الحياة الاجتماعية، والمتنبي، عبر ديوانه المعار من مجموعة معالي محمد أحمد المر الخاصة، وما يجسده شعره من حكمة وطموح وكرامة، ومكانته في الذاكرة الثقافية العربية، أما محور علم الاجتماع، فيتناول فكر ابن رشد، من خلال مؤلفيه "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"، و"تهافت التهافت"، وأثر شروحه في انتقال المعرفة إلى أوروبا، إلى جانب إسهامات ابن خلدون في دراسة المجتمعات والتاريخ، عبر كتابيه "المقدمة" و"كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر"، وما قدماه من رؤى في فهم العمران البشري ونشوء الدول وتحولاتها، وتتكامل هذه المحاور في سردية معرفية تربط بين المكان والإنسان والمجتمع، وتبرز تنوع المعرفة في الحضارة الإسلامية ودور الرحلات والمخطوطات والترجمة في انتقال الأفكار وتفاعل الثقافات.
كما عُقدت جلستان حواريتان ثقافيتان، الأولى بعنوان "ابن خلدون وفهم المجتمعات"، استضاف المركز فيها من تونس الأستاذ الدكتور عبدالحميد الأرقش، الأستاذ الفخري في التاريخ والتراث بجامعة منوبة في تونس، وخبير التراث، والمدير العام السابق للتراث، والأستاذ الدكتور حسام الدين شاشية، الأستاذ المحاضر في التاريخ الحديث المبكر بجامعة تونس – ميكام، وذلك في إطار حرص المركز على الاستعانة بنخبة من الأكاديميين والباحثين من داخل الدولة وخارجها.
وتناولت الجلسة فكر ابن خلدون ومنهجه في دراسة المجتمعات وتحليل التحولات التاريخية، ودوره في تفسير نشوء الدول وازدهارها وأفولها، من خلال مفاهيم العمران البشري والعصبية والعوامل الاجتماعية والاقتصادية المؤثرة في حركة التاريخ.
أما الجلسة الثانية، التي جاءت بعنوان "علم الأدب والاجتماع من التراث إلى المعاصرة"، فقدمها الأستاذ الدكتور رضوان السيد، عميد كلية الدراسات العليا بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، والأستاذة الدكتورة فاطمة الصايغ، الأستاذة الجامعية وعضو مجلس أمناء مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية.
وتطرقت الجلسة إلى دور التراث العربي والإسلامي في فهم المجتمعات وتحليل تحولاتها عبر العصور، إلى جانب استعراض سبل توظيف هذا الإرث المعرفي في دراسة قضايا المجتمعات المعاصرة، بما يعزز الحوار بين الماضي والحاضر، ويبرز استمرارية الفكر الإنساني وقدرته على مواكبة التحولات الثقافية والاجتماعية.
وعلى هامش إطلاق المرحلة الثانية من المبادرة، أقيمت ورشة "اصنع كتابك.. على خُطى العلماء المسلمين"، التي جمعت المشاركين بين استكشاف إسهامات علماء الجغرافيا والأدب والفكر، وصناعة كتاب خاص بالرسم والكتابة، يترجم ما اكتشفوه في المعرض.
وبالتزامن مع تدشين المبادرة، نشر المركز الحلقة الثانية من سلسلة "إسهامات العلماء المسلمين" التي أنتجها بهذه المناسبة.
وتُعد هذه الحلقة تتمة لما تم تقديمه عن المبادرة وما تنطوي عليه من رسائل وقيم حضارية، مع تسليط الضوء على مرحلتها الثانية التي تتناول إسهامات العلماء المسلمين في مجالات الجغرافية والادب والاجتماع.
وينفذ المركز هذا العمل من خلال كوادر وطنية عالية الكفاءة من موظفيه، الذين عملوا على توظيف خصائص الذكاء الاصطناعي في تصميم وإخراج المحتوى بما يتسم بالكفاءة والجودة، وبما يجسّد الفكرة المحورية والرسائل الحضارية للحلقات.
ويتضمن ذلك تجسيد شخصية الراوي التي تمثل الهوية الإماراتية، إضافة إلى مشاهد تعكس البعد الثقافي والتاريخي للحضارة الإسلامية، من خلال المزج بين روح الماضي والحاضر التي تتجلى في سرد المحتوى القصصي لحلقات السلسلة.
ويتيح موقع المعرض في "قبة السلام" بمركز الزوار، لضيوف الجامع فرصة إثراء تجربتهم بزيارة متحف نور وسلام، الذي يقدم لمحة شاملة عن الحضارة الإسلامية ونتاجها المعرفي والفني عبر العصور، من خلال مقتنيات نادرة وتجارب تفاعلية توظف أحدث التقنيات، ثم تجربة "ضياء" بتقنية 360 درجة التي توظف الصوت والضوء، لتمنحهم تجربة حسية غامرة وملهمة.
ويأتي معرض المبادرة امتدادًا لجهود المركز الثقافية، ضمن سلسلة المعارض الدائمة والمؤقتة التي تعزز حضور الجامع مركزًا عالميًا للحوار الثقافي، ومنها "الحج رحلة في الذاكرة"، و"الأندلس، تاريخ وحضارة"، و"النقود الإسلامية، تاريخ يكشف".
يشار إلى أن زيارة معرض "إسهامات العلماء المسلمين" متاحة خلال أوقات الزيارة الرسمية للجامع، من السبت إلى الخميس من الساعة 9:00 صباحًا حتى 9:00 مساءً، وفي أيام الجمعة من الساعة 9:00 صباحًا حتى 12:00 ظهرًا، ومن الساعة 3:00 عصرًا حتى 9:00 مساءً.