دبي في 11 يناير / وام / أكد خبراء وصناع محتوى في قطاع التعليم أن التحدي الأبرز أمام صناع المحتوى التعليمي في العصر الرقمي يتمثل في تقديم المعرفة بأسلوب جذاب وممتع، دون التفريط في عمق المعلومة أو مصداقيتها، وأجمعوا على أن الجمهور اليوم لم يعد يكتفي بالمعلومة الجافة؛ بل يبحث عن قصة وتجربة إنسانية ولغة بسيطة، وأدوات بصرية تواكب إيقاع المنصات الرقمية، مع ضرورة بناء علاقة ثقة طويلة الأمد بين صانع المحتوى والمتلقي.
جاء ذلك خلال فعاليات النسخة الرابعة من قمة المليار متابع، أكبر قمة عالمية في اقتصاد صناعة المحتوى، والتي نظمها المكتب الإعلامي لحكومة دولة الإمارات، على مدار 3 أيام واختتمت أعمالها اليوم، في أبراج الإمارات، ومركز دبي المالي العالمي، ومتحف المستقبل، بدبي، تحت شعار "المحتوى الهادف".
شارك في القمة الدكتور آدم بطاينة، صانع المحتوى والرئيس التنفيذي لشركة "مديد" للرعاية والتكنولوجيا الصحية، والذي يحظى بمتابعة أكثر من مليون شخص، وأحمد أبوزيد، صانع المحتوى التعليمي ومؤسس قناة "دروس أونلاين" والذي يتابعه أكثر من 15 مليون شخص على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، وأحمد علي، صانع محتوى ومهندس معماري يتابعه نحو 2.5 مليون شخص.
وقال آدم بطاينة إن المحتوى التعليمي، وخصوصاً في المجالات الطبية والعلمية، يواجه تحدياً حقيقياً في جذب انتباه الجمهور منذ الثواني الأولى، موضحاً أن البدء بمصطلحات معقدة أو عناوين ثقيلة يدفع المتلقي إلى تجاوز المحتوى قبل استيعابه، وأضاف أن ربط المعلومة العلمية بسلوكيات يومية بسيطة، مثل العادات الصحية أو المواقف التي يعيشها الناس، يجعل المتلقي أكثر استعداداً للاستماع والفهم.
وأوضح أن تقديم العلم بأسلوب قصصي لا يعني تسطيحه، بل إعادة صياغته بلغة أقرب للجمهور العام، مشيراً إلى أن القصة تمثل جسراً فعالاً للانتقال من التجربة الشخصية إلى المعلومة التخصصية، وبين أن الجمهور يتفاعل بشكل أكبر عندما يشعر أن المحتوى يلامس واقعه، وليس مجرد محاضرة نظرية.
وتطرق آدم بطاينة إلى استخدام الأدوات البصرية والمونتاج، مؤكداً أنها عناصر داعمة وليست جوهرية بحد ذاتها، إذا لم يكن المحتوى واضحاً وصادقاً، وأوضح أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون وسيلة مساعدة في تنظيم الأفكار أو توليد زوايا جديدة للطرح، لكنه لا يمكن أن يحل مكان الإبداع الإنساني أو يلغي المسؤولية الأخلاقية، خصوصاً في المحتوى الطبي الذي يرتبط بصحة الإنسان ووعيه.
من جهته، قال أحمد أبو زيد، إن المتعة في المحتوى التعليمي لم تعد ترفاً، بل أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة المنصات الرقمية وسلوك الجمهور، مشيراً إلى أن صانع المحتوى الذي لا يراعي هذا التحول يفقد فرصته في الوصول والتأثير، وأضاف أن المتعة الذكية تعني تقديم المعلومة بأسلوب جذاب دون التفريط في قيمتها أو تحريف مضمونها.
وأوضح أن بناء الثقة مع الجمهور هو العنصر الأهم في نجاح المحتوى التعليمي، لافتاً إلى أن الثقة لا تبنى عبر فيديو واحد، بل عبر مسار طويل من الالتزام، والوضوح، واحترام عقل المتلقي. وبين أن الجمهور بات أكثر وعياً، وقادراً على التمييز بين المحتوى الصادق والمحتوى المصطنع، خاصة في ظل الانتشار المتزايد للمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي.
وأكد أبو زيد أن الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة إذا استخدمت بوعي، لكنه شدد على أن المحتوى الذي يخلو من البعد الإنساني لا يترك أثراً طويل المدى، مشيراً إلى أن الناس يتفاعلون مع من يشعرون أنه يشبههم، ويفهم أسئلتهم، ويتحدث بلغتهم.
بدوره، قال أحمد علي، إن المحتوى التعليمي في مجالات مثل العمارة والفن يعتمد بشكل كبير على السرد القصصي واللغة البصرية، موضحاً أن تحويل الفكرة إلى حكاية يساعد الجمهور على استيعابها وتذكرها.
وأضاف أن الصورة والمشهد البصري لا يقلان أهمية عن النص، خاصة على منصات تعتمد على المشاهدة السريعة.
وأوضح أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم أكبر منصة تعليمية غير رسمية في العالم، لكنها تتطلب من صناع المحتوى فهماً عميقاً لطبيعة الجمهور وإيقاع المنصات. وبين أن تبسيط الفكرة لا يعني إفراغها من معناها، بل إعادة تقديمها بأسلوب سلس يحافظ على جوهرها العلمي أو الفني.
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في إنتاج مشاهد أو تصورات بصرية، لكنه شدد على أن الحس الإبداعي، والخبرة الإنسانية، وفهم السياق الثقافي، تظل عناصر لا يمكن استبدالها، وأكد أن المحتوى الناجح هو الذي يجمع بين المتعة والمعرفة والصدق والقدرة على التأثير.
وشهدت النسخة الرابعة من قمة المليار متابع زخماً كبيراً، بحضور تجاوز 30 ألف شخص، ومشاركة أكثر من 15 ألفاً من مبدعي صناعة المحتوى وأهم المؤثرين العرب والعالميين، وأكثر من 500 متحدث يتابعهم ما يزيد على 3.5 مليار متابع، بينما استضافت القمة 150 رئيساً تنفيذياً وخبيراً عالمياً ضمن جلساتها وحواراتها، وقدمت أكثر من 580 جلسة رئيسة وطاولة مستديرة وحواراً تفاعلياً وورشة عمل.