انطلاق ملتقى إماراتي مغربي بالرباط لتعزيز الفتوى المؤسسية والسلم المجتمعي

انطلاق ملتقى إماراتي مغربي بالرباط لتعزيز الفتوى المؤسسية والسلم المجتمعي

الرباط في 16 أكتوبر/ وام / انطلقت في العاصمة المغربية الرباط، أعمال ملتقى "الفتوى المؤسسية: رافدًا للسلم والتعايش"، الذي نظّمه مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي والمجلس العلمي الأعلى بالمملكة المغربية، في محطة علمية جديدة تعزّز التعاون بين المؤسستين، وتجمع تجربتين وطنيتين في مجال الإفتاء المؤسسي لتبادل الخبرات، وبحث سبل تطوير الممارسة الإفتائية، ومواكبة النوازل المعاصرة، وتعزيز إسهامها في السلم والتعايش والاعتدال.

وشارك في الملتقى نخبة من العلماء والباحثين والمتخصصين من دولة الإمارات والمملكة المغربية، لبحث قضايا الفتوى المؤسسية في ظلّ ما تشهده النوازل المعاصرة من تشابك في أبعادها الشرعية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية والتقنية، وما يستدعيه ذلك من تكامل العلوم والخبرات، وتعزيز الاجتهاد المؤسسي، وربط النظر الإفتائي بفقه الواقع والمقاصد والمآلات.

وفي كلمته الافتتاحية أكّد معالي العلامة الشيخ عبدالله بن بيه رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، عمق العلاقات الأخوية والتاريخية التي تجمع البلدين الشقيقين؛ وقال معاليه "إنَّ هذا الملتقى يُجسد عمق العلاقات الأخوية الراسخة بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة المغربية الشقيقة التي أرسى دعائمها القائدان الكبيران، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والملك الحسن الثاني "طيّب الله ثراهما"، وتزداد رسوخًا ونماءً في عهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة "حفظه الله"، وأخيه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، ملك المملكة المغربية الشقيقة وهي علاقات تصل ذلك الطرف الأغر من الخليج العربي بهذا الطرف الشاسع على المحيط الأطلسي، وتجمع بين الماضي العريق، والحاضر المتجدد، والتطلع إلى مستقبل أرحب".

وتناول معاليه الصلة بين الفتوى المؤسسية وصيانة السلم المجتمعي، قائلًا: إذا كان عنوان ملتقانا "الفتوى المؤسسية: رافدًا للسلم والتعايش"؛ فإنَّ دلالته تتجاوز تنظيم عمل الإفتاء إلى سؤال أعمق: كيف تتحول المعرفة الشرعية، في زمن تعقّدت فيه النوازل وتسارعت وسائل التأثير، إلى قوة تحفظ الدين، وتبني الثقة، وتصون النفوس والمجتمعات من الفتنة والاضطراب؟! فالفتوى خطاب شرعي يمتد أثره إلى الضمائر والسلوك والعلاقات بين الناس والشأن العام؛ ومن ثم تتصل بالسلم اتصال أثر وتأثير، إذ يبدأ السلم من سلامة المفاهيم، ورشد الأحكام، وحكمة الخطاب.

وطرح معاليه جملة من المسارات العملية التي يمكن أن يمتدّ إليها التعاون بين المؤسستين؛ حيث قال: لعلَّ هذا الملتقى، في ضوء ما تتفق عليه المؤسستان، ينظر في المسارات العملية الآتية: أولًا: إعداد إطار علمي مشترك يبين معايير الفتوى المؤسسية في قضايا الشأن العام، ومراحل بنائها ومراجعتها، وحدود العلاقة بين اجتهاد الأفراد واختصاص المؤسسات.. ثانيًا: إنشاء آلية للتشاور العلمي وتبادل البحوث والخبرات، ولا سيما في النوازل العابرة للحدود التي تتصل بالاقتصاد والتقنية والأسرة والسلم المجتمعي.. ثالثًا: دراسة إنشاء آلية مشتركة للرصد الرقمي، تتولى متابعة الخطاب الإفتائي المتداول، ورصد مواطن الخلل والالتباس فيه وفق معايير علمية، وتحليل المحتوى الديني المولّد آليًا، وإعداد ردود علمية موجزة بلغة تناسب الجمهور ووسائط العصر. رابعًا: تطوير برامج لتكوين المفتين والباحثين، تجمع بين علوم الشريعة ومهارات فهم الواقع والعمل مع الخبراء والتواصل المسؤول وأخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي.

من جانبه رحب سعادة الدكتور اليزيد الراضي - الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى بالمملكة المغربية، بالوفد الإماراتي، مؤكدًا ما يمثله الملتقى من امتداد للتعاون بين البلدين الشقيقين؛ حيث قال سعادته في مستهلّ كلمته: لا بدَّ أن أتوجه بترحيب خاص وشكر جزيل وثناء جميل إلى ضيوفنا الإماراتيين الأعزاء الذين نكنّ لهم كل حب وكل احترام وكل تقدير ونعتبر حلولهم في بلدهم الثاني المملكة المغربية وبين أهلهم وذويهم حلول يُمنٍ وبركة وفاتحة خير عميم ونفع للبلدين الشقيقين عظيم وإنَّ هذه الخطوة العزيزة وهذه المبادرة الطيبة لعمل مبرور وسعي مشكور يزيد التعاون بين البلدين الشقيقين قوة وتوهجًا وتألقًا؛كيف لا وقد امتدَّ إلى الإفتاء الذي هو التوقيع عن رب العالمين، والذي يمثل آلية بالغة الأهمية من آليات التوعية الدينية وتبصير الناس بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات.

وتناول سعادته التجربة المغربية في تنظيم الإفتاء، مؤكدًا أهمية الإطار المؤسسي في ضبط الممارسة الإفتائية وحمايتها من الفوضى؛ وقال: لقد أدرك المغرب أهمية الإفتاء المؤسسي وضرورته لحماية هذه الخطة الدينية البالغة الأهمية من عبث العابثين، المعبر عنه في الحديث الشريف بتحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين؛ فنظّم الإفتاء كما نظّم الشأن العلمي والديني كله، وأحدث في المجلس العلمي الأعلى ومن أعضائه مؤسسة وطنية للإفتاء سماها الهيئة العلمية المكلفة بالإفتاء، وجعل الإفتاء في الشؤون العامة من اختصاصها وحدها، أمَّا الأجوبة الدينية والآراء الفقهية المرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين والمواطنات فقد أسندها إلى المجالس العلمية الجهوية والمحلية.

من جانبه أكّد معالي الدكتور عمر حبتور الدرعي - نائب رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة، رسوخ العلاقات الإماراتية المغربية وما تمثّله من أرضية للتعاون العلمي والمعرفي، وقال: نُحيِّي في هذهِ المناسبةِ عُرَى شراكتِنا الوثيقةْ، التي وطَّدَ أركانَها كلٌّ من الوالدِ المؤسسِ الشيخ زايد "طيب الله ثراه" وأخيه الملكِ الحسن الثاني "رحمه الله"، وقد واصلتْ مسيرتَها في معارجِ التنميةِ والاستقرارْ، بذاتِ الصدقِ والوفاءِ والمحبةْ، في عهد سيدي صاحبِ السموِّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيسِ الدولة "حفظه الله"، وصاحبِ الجلالةِ الملكِ محمدٍ السادس.

وقدّم معاليه رؤية استراتيجية للفتوى المؤسسية ودورها في دعم الدولة الوطنية ومصالح المجتمع ومواكبة التحولات المعاصرة؛ حيث قال إنَّ موضوعَ هذا الملتقى: "الفتوى المؤسسية" يُلتمسُ علاجُه من جنسِ علتِه، على حدِّ قولِ المتنبي: "فربّما صحّتْ الأجسامُ بالعللِ"؛ فإنَّ الفتوَى المؤسَّسيةَ هي الدوَاءُ الكفيل لعلاجِ تحدياتِ الفتوى، متَى مَا تَرَسَّخَ مَفْهُومُهَا الدقيقْ: بأنْ تنبثقَ من الدولةِ الوطنيةْ، فتخدمَ مصالحَها العُليَا، وتدعَمَ مسارَها التَّنمَوِي، وتحْمِي خياراتِها، وتُشيعَ السكينةَ والسلمَ في ربوعِها، وهيَ في أداءِ هذا الدورِ تقومُ على رباعيةٍ تتساندُ عناصرُها؛ مأسسةٌ تُرسِّخْ، وحوكمةٌ تُحصِّنْ، ورقمنةٌ تطوِّرْ، وأَنْسنةٌ تجسِّرْ".

كما تناول معاليه التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على المؤسسات الإفتائية، وأهمية الاستعداد لها من خلال تأهيل الموارد البشرية، وتعزيز البيانات والمضامين الموثوقة، والاستثمار في الرقمنة، بما يدعم قدرة المؤسسات على مواكبة العصر، إلى جانب تعزيز البعد الإنساني للفتوى وانفتاحها على العلوم والخبرات والثقافات المختلفة.

وأكّد فضيلة الدكتور سعيد شبار - الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى ومدير الجلسة الافتتاحية أهمية اجتماع المؤسستين وما يقوم عليه عملهما من جهد جماعي وتكامل بين العلوم والتخصصات والخبرات، مشيرًا إلى أنَّ التحولات المتسارعة التي تشهدها البشرية على المستويات الاجتماعية والصحية والبيئية والاقتصادية والمالية تستدعي مواكبة فقهية مؤسسية قادرة على التعامل مع هذه المستجدات، وتسخير الفتوى لخدمة مقاصد الدين وتعزيز السلام والعيش الآمن.

وشهدت الجلسة الافتتاحية عرض فيلم مرئي بعنوان "الفتوى المؤسسية: رافدًا للسلم والتعايش"، أُنتج بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وقدّم معالجة بصرية معاصرة لمفهوم الفتوى المؤسسية ودورها في تعزيز السلم والتعايش، إلى جانب عرضين مرئيين استعرضا تجربة مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي وتجربة المجلس العلمي الأعلى بالمملكة المغربية في العمل الإفتائي المؤسسي.

كما شهد الافتتاح إطلاق إصدار "الأسرة في سياق فقه الواقع" في أربعة أجزاء، يوثق أعمال المؤتمر العالمي الثالث لمجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، المنعقد في أبوظبي يومي 15 و16 ديسمبر 2025، ويجمع البحوث والرؤى العلمية التي تناولت قضايا الأسرة في ضوء فقه الواقع وتحولاته المعاصرة، بما يحوّل مخرجات المؤتمر إلى رصيد معرفي موثق يتيح الإفادة منها والبناء عليها.

وتضمنت الجلسة الافتتاحية كذلك تبادل الدروع والهدايا التذكارية بين مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي والمجلس العلمي الأعلى بالمملكة المغربية، تقديرًا للتعاون العلمي والمؤسسي بينهما، أعقبه التقاط الصورة الجماعية لممثلي الجهتين.

وتتواصل أعمال الملتقى بجلسات علمية تبحث التأصيل الشرعي للفتوى المؤسسية، والحاجة إليها في ظلّ تحديات العصر الرقمي، والاجتهاد المؤسسي في ضوء المذهب المالكي، والإطار القانوني المنظم للعمل الإفتائي، والأسس المقاصدية للفتوى، وتكامل الخبرات في معالجة قضايا المعاملات المعاصرة، إلى جانب طاولة مستديرة تستعرض تجربتي المجلس العلمي الأعلى ومجلس الإمارات للإفتاء الشرعي ونماذج تطبيقية من الفتاوى المؤسسية.