دبي في 8 نوفمبر/ وام/ نظمت مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية المؤتمر الدولي للصحة النفسية 2026 الذي اختتم فعاليات أمس في دبي، تحت شعار "معاً أقوى: وعي يدعم ومجتمع يحتضن"، في خطوة تعكس توجهاً نحو ترسيخ نموذج أكثر تكاملاً واستباقية للصحة النفسية، ينتقل من التركيز على العلاج إلى بناء بيئة داعمة للصحة النفسية تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدرسة والمجتمع، وتتصل بمنظومة صحية وتشريعية متكاملة تضع الإنسان وحقوقه وجودة حياته في صميم الرعاية.
وأكد سعادة الدكتور عصام الزرعوني، المدير التنفيذي لقطاع الخدمات الطبية في مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية، أن تطوير الصحة النفسية لم يعد مرتبطاً بتوسيع نطاق الخدمات العلاجية فحسب، وإنما بقدرة المنظومة الصحية على استباق الاحتياجات والتدخل في الوقت المناسب، وبناء مسارات رعاية تتكامل فيها الأدوار الصحية والاجتماعية والتعليمية والمجتمعية.
وأضاف: "ننظر في مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية إلى الصحة النفسية باعتبارها أحد المكونات الأساسية لصحة الإنسان وجودة حياته، لذلك نعمل على ترسيخ نموذج ينتقل بالرعاية من الاستجابة للحاجة إلى استباقها، ومن التعامل مع الحالة بمعزل عن محيطها إلى إشراك الأسرة والمجتمع ضمن منظومة متكاملة".
ووصف المؤتمر بأنه منصة مهمة لتحويل المعرفة والخبرات إلى ممارسات أكثر تأثيراً واستدامة، بما يعزز قدرة منظومتنا الصحية على مواكبة احتياجات المجتمع الحالية والمستقبلية.
من جانبها، أكدت الدكتورة نور المهيري، مديرة إدارة الصحة النفسية في المؤسسة، أن بناء منظومة فعالة للصحة النفسية يبدأ من تعزيز الوعي والوقاية والقدرة على التعرف المبكر إلى مؤشرات الحاجة للدعم، وصولاً إلى توفير مسارات واضحة ومتكاملة للرعاية والتعافي.
وأضافت أن القيمة الحقيقية لأي منظومة متقدمة للصحة النفسية تكمن في قدرتها على الوصول إلى الإنسان في الوقت المناسب وفي البيئة الأقرب إليه ، ومن هنا نضع الأسرة في موقع الشريك الفاعل في الوقاية والتدخل المبكر والتعافي، ونعزز التكامل مع المدارس والرعاية الأولية والقطاعات المجتمعية، مع إشراك الشباب والأسر وأصحاب التجارب المعاشة في الحوار حول تطوير الخدمات لأن الرعاية الأكثر فاعلية هي التي تبنى حول احتياجات الإنسان الفعلية.
بدوره، أوضح الدكتور عمار البنا، مدير مستشفى الأمل للصحة النفسية، أن تطور الرعاية النفسية يرتبط بقدرة المؤسسات المتخصصة على تحويل الخبرة السريرية والمعرفة العلمية والتجارب الواقعية إلى ممارسات قابلة للتطبيق والتطوير، مشيراً إلى أن المؤتمر يوفر مساحة مهنية تجمع هذه المسارات وتتيح تبادل الخبرات حول القضايا التي تشكل مستقبل الرعاية النفسية.
وذكر أن أهمية هذا المؤتمر لا تكمن فقط في تعدد موضوعاته وخبراته، وإنما في قدرته على تقريب المسافة بين المعرفة والممارسة من خلال مناقشة ما نراه في الواقع السريري وما تقدمه الأبحاث والتجارب الدولية وما يطرحه المرضى والأسر والمختصون من احتياجات وتجارب مشيراً إلى أن هذه المساحة المشتركة ضرورية لتطوير ممارسات أكثر ارتباطاً بالواقع ورفع كفاءة الاستجابة للتحولات التي يشهدها مجال الصحة النفسية .
ويكتسب المؤتمر بعداً وطنياً مهماً في عام الأسرة 2026، إذ يترجم موقع الأسرة في الأجندة الوطنية إلى نقاش متخصص حول دورها في تعزيز الصحة النفسية والوقاية والتدخل المبكر والتعافي، ويطرح في الوقت ذاته مقاربة يتكامل فيها هذا الدور مع دور المجتمع ومقدمي الرعاية والقطاعات ذات الصلة ، فيما يواكب المؤتمر الجهود الرامية إلى ترسيخ التطبيق الفاعل للقانون الاتحادي للصحة النفسية وما يوفره من إطار لحماية الحقوق وتعزيز الممارسات التي تصون كرامة المرضى وأسرهم.
ينطلق المؤتمر من رؤية تعتبر أن التحديات النفسية المعاصرة لا يمكن التعامل معها من خلال مسارات منفصلة، وأن بناء مجتمع أكثر صحة نفسياً يتطلب منظومة قادرة على ربط الرعاية المتخصصة بالوقاية، والصحة بالأسرة والتعليم والمجتمع، والتشريع بالممارسة.
وجمع المؤتمر طيفاً متعدد التخصصات من الأطباء والباحثين وصناع السياسات والمختصين في التعليم والخدمات الاجتماعية والقانون والعمل المجتمعي، ما أتاح تطوير فهم مشترك للأدوار والمسؤوليات وبناء نماذج أكثر تكاملاً للاستجابة للاحتياجات النفسية.
وترجم البرنامج العلمي للمؤتمر هذا التوجه من خلال التركيز على مراحل ومحطات مختلفة في حياة الإنسان، بدءاً من الصحة النفسية للأطفال واليافعين ودور العلاقات الأسرية المبكرة، وصولاً إلى الرعاية الأسرية المتكاملة والتدخل المبكر والاستجابة للفئات الأكثر احتياجاً، إلى جانب قضايا تخصصية تتطلب تكاملاً بين الخبرة السريرية والأسرة والمجتمع.
وخصص المؤتمر مساحة للمعرفة التطبيقية وبناء قدرات المختصين، من خلال جلسات علمية وورش عمل تجمع خبرات محلية ودولية متعددة التخصصات.
وأكدت مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية خلال المؤتمر توجهها نحو إعادة صياغة مفهوم الرعاية النفسية من خدمة تقدم عند الحاجة إلى منظومة مجتمعية متكاملة للوقاية والدعم والتعافي، بما يعزز قدرة الأسرة والمجتمع على التعامل مع تحديات الصحة النفسية، ويرسخ بيئة تحمي الحقوق وتحد من الوصمة وتدعم الوصول المبكر إلى الرعاية، وصولاً إلى مجتمع أكثر صحة ومرونة وجودة حياة.