القاهرة في 27 أبريل/ وام / تشارك معالي الدكتورة أمل عبدالله القبيسي رئيسة المجلس الوطني الاتحادي في أعمال مؤتمر الأزهر العالمي للسلام التي انطلقت اليوم بالقاهرة تحت رعاية وحضور فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف ومشاركة أبرز القيادات الدينية حول العالم.
وقالت معاليها في كلمة خلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر إن السلام هو تحية الإسلام الخالدة ودعوة الأديان السماوية وقيمة إنسانية غالية راح ضحية غيابها الكثير من الأبرياء من جميع الأديان على حد سواء جراء الحروب والصراعات أو في اعتداءات إجرامية آثمة.
وأشارت إلى أن السلام مطلب حيوي وأمر حتمي للعالم أجمع ولن يتحقق إلا بتحملنا مسؤوليتنا تجاه اختلافاتنا الإنسانية وأن نسعى للبحث عن المشترك بيننا ونقبل المختلف بيننا.
وأكدت القبيسي أهمية هذا المؤتمر العالمي الذي يعقد بحضور رموز وقامات دينية و سياسية وفكرية وثقافية لها جهود وأدوار واضحة في السعي نحو السلام .. موضحة أن هذه الرؤية الحضارية لا يمكن أن تتجسد بشكل أكثر وضوحا من هذا التجمع وقدمت الشكر والامتنان لفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر لدعوته لهذا المؤتمر.
ونوهت إلى أن من المؤشرات الإيجابية أن يناقش المؤتمر موضوع السلام بتنظيم من الأزهر الشريف الذي كان ولا يزال صرحا عريقا للاعتدال وقلعة شامخة للدفاع عن التعايش والتسامح على أرض مصر الشقيقة أرض السلام مهد الحضارة وملتقى الأديان والثقافات.
وأوضحت القبيسي أن السلام لابد وأن يتحقق بالحوار الذي هو السبيل لبناء المشتركات وتكريس التفاهم وأسس التعايش فالتعايش ثراء وتنوع وتفاعل حضاري بناء .. مشيرة إلى أن السلام لم يعد مفهوما مرتبطا بالعلاقات بين الدول بل بات مطلوبا وبإلحاح داخل كل دولة على حده كونه ركيزة جوهرية للاستقرار والعيش المشترك بين المكونات الدينية والمذهبية والطائفية والعرقية للدول باعتبار أن الاحترام المتبادل وقبول الآخر ثوابت تنطبق على الأفراد كما تنطبق على الدول.
و شددت معاليها على أن التنمية وتلبية تطلعات الشعوب تتطلب ثقافة راسخة للتعايش والذي يوفر بدوره بيئة مجتمعية ملائمة للاستقرار والعمل والإبداع ولدينا في دولة الإمارات العربية المتحدة تجربة راسخة متجذرة في التعايش فهو إرثنا الوطني الذي نعتز به وقد أسست قيادتنا الرشيدة لنموذج يحتذى في التعايش والتسامح والانفتاح وقبول الآخر واحترام التنوع ونبذ التعصب بين أكثر من مائتي جنسية يعيشون على أرض الامارات جنبا إلى جنب مع مواطني الدولة ويساهمون جميعا في تطورها ونهضتها.
وقالت إن ذلك لم يكن ليتحقق على أرض الإمارات من دون تخطيط وبنية تشريعية وقانونية وآليات منظمة مثل قانون مكافحة التمييز والكراهية ..
موضحة أنه تم استحداث وزارتين في التشكيل الوزاري الحالي لحوكمة القيم لتكون الأولى من نوعها في العمل الحكومي عالميا وهما وزارة دولة للتسامح ووزارة دولة للسعادة وذلك بهدف وضع إسلوب حياة ايجابية وتقديم أعلى جودة في الخدمات الحكومية والتي بدورها تساهم في ايجاد مواطن ايجابي منتج راض متفائل وبالتالي يكون سعيدا.
و أشارت معالي الدكتورة القبيسي إلى أن دولة الإمارات تستضيف وتدعم عددا من المبادرات العالمية والمنظمات الدولية والمؤسسات الرائدة في تعزيز قيم التسامح ونبذ العنف ومكافحة التطرف مثل "مركز هداية الدولي للتميز لمكافحة التطرف العنيف" و"مركز صواب" بالإضافة إلى "منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة" و"مجلس حكماء المسلمين" انطلاقا من إيمان لا يتزعزع بحتمية تعايش الأديان والحضارات والثقافات وقد لعب مجلس حكماء المسلمين الذي يترأسه فضيلة الإمام الأكبر الشيخ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف دورا كبيرا إنطلاقا من إيمان لا يتزعزع بحتمية تعايش الأديان والحضارات والثقافات .. ومارس منذ تأسيسه دورا حيويا في تقديم الصورة الحقيقية للإسلام في مختلف أرجاء العالم وتعزيز السلام والتسامح والعيش المشترك والتقارب بين الأديان.
و شددت معالي الدكتورة القبيسي على أن التطرف والغلو قد أساء للإسلام إساءة كبيرة ودفع ضريبته المسلمون في مناطق شتى من العالم.. وفي هذا الإطار نؤكد ضرورة الفصل تماما بين الإسلام والإرهاب وأن يكون الفصل واضحا لا جدال فيه دينيا وإعلاميا وسياسيا وفكريا، فتخليص صورة الإسلام بل الأديان جميعها من براثن الإرهابيين أولوية قصوى لتحقيق التعايش الحقيقي.. مؤكدة على أنه ليس هناك إسلام متطرف وإسلام معتدل فالإسلام دين سلام .. والاسلام برئ من التطرف والتشدد وخلط الأوراق خطأ فادح يخدم أهداف المتشددين.
وأشارت معاليها إلى أن الإرهاب يحاول أن يستثير صراع الهويات بين أفراد المجتمع ليفتته ويفكك الدولة التي تجمع كل عناصره والإرهاب يحاول أن يلبس بشكل فاضح لباس الدين محاولا استثارة صراعات الهوية الدينية و بوادر ذلك الصراع ظهرت في العديد من الدول وبدأت تتحول من خطاب شعبوي إلى تكتلات سياسية وحتى سياسات حكومية.
**********----------********** وقالت معالي الدكتورة القبيسي إن الشعوب تنظر إليكم كقيادات دينية لتكونوا بوصلة لقيمها التي تحكم مجتمعاتها على اختلاف مشاربها.. و إن تلك المسؤولية تفرض عليكم أن تكون مواقفكم الإنسانية والسياسية والدينية درسا في التوافق المجتمعي .. وأن يظهر ذلك من الخطاب الديني.
و أضافت : " علينا أن نبذل مزيدا من الجهد وعلينا أن نمتلك تصميما قويا على تحقيق هدف السلام والتعايش.. فالتغيير يأتي بالإصرار والمثابرة ومن لا يستطيع تغيير الواقع أو على الأقل يحاول تغييره ويسعى إلى ذلك جديا لا يجب أن يحلم بعالم أفضل له وللأخرين .. وعلينا أيضا أن نعمل على دراسة معوقات السلام .. بجدية وعناية.. فالعالم بحاجة إلى حلول ابتكارية .. وواقعية .. وجادة لمعالجة أزماته تحدياته ... وعلينا أن نتجاوز تجارب الماضي وتعقيداته.. وألا نقع أسرى للإحباط واليأس فلم يعد من السهل أن تعيش دولة أو شعب أو أصحاب ديانة ما بمفردهم بعد أن تجاوزت البشرية فكرة القرية الكونية الصغيرة لتصبح كيانا مجهريا والتقنيات تذيب الفوارق بوتيرة متسارعة ومن الصعب على دولة أن تواجه أي تحد بقدراتها الذاتية من دون تكاتف وتعاون الدول الأخرى.
وقالت معالي الدكتورة القبيسي : " من واقع عملي البرلماني .. أدرك أن هناك مسؤولية كبيرة تقع على كاهل المؤسسات التشريعية والرقابية ..
لتأسيس وتطوير بنى تشريعية وقانونية تدعم التعايش التسامح.. و تواكب العصر.. وتضمن تكريس ثقافة السلام ... ومعالجة التحديات .. والتهديدات التي تطال هذه الثقافة .. مثل التطرف والتشدد والتحريض ونشر ثقافة الكراهية .. سواء عبر استغلال الأدوات والوسائل التقليدية أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت تلعب أدوارا مؤثرة في المجتمعات كافة ولا يجب التهوين من التأثيرات المترتبة على محتواها باعتبارها منصة جذب عميقة التأثير في نفوس أفراد المجتمع وبخاصة شريحة الشباب.
و أضافت معاليها : " نحرص في عملنا البرلماني على تكريس ثقافة التسامح والتعايش محليا ودوليا وقد ترجمنا ذلك من خلال تعاوننا مع الحكومة في إصدار قانون مكافحة التمييز والكراهية" الذي يعد نموذجا يحتذى في تكريس قواعد العيش المشترك فضلا عن إسهامنا في "إعلان أبوظبي" الصادر عن "القمة العالمية لرئيسات البرلمانات" التي عقدت في عاصمة الامارات ابوظبي ديسمبر الماضي والذي حث على إصدار إعلان برلماني دولي للتسامح بناء على مقترح إماراتي وقد صادقت على ذلك برلمانات العالم في اجتماعات الاتحاد البرلماني الدولي التي عقدت في دكا الشهر الماضي كما شدد هذا الإعلان على ضرورة تعزيز الحوار الدولي من أجل السلام.
و أشارت إلى أن ثقافة التعايش والسلام لها متطلبات وأسس وركائز من أهمها تسوية الصراعات وانهاء معاناة الشعوب التي تتعرض للظلم والاحتلال وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني وفرض حظر دولي على تمويل تنظيمات الإرهاب ومواصلة العمل لتجفيف منابعه وتجريم كل اشكال تمويل الإرهاب والحروب بالوكالة.. وعلى المستويات الوطنية يجب منح أولوية مطلقة لتطوير الثقافة والتعليم الذي يرتبط بعلاقة مباشرة بالشباب والأجيال المقبلة ومن ثم بفرص العمل والآفاق المستقبلية للمجتمعات فضلا عن أن تطوير التعليم هو المصل المضاد للجهل والتخلف والتراجع الثقافي والحضاري وتحصين للمستقبل .. فالتعليم استثمار اجتماعي واقتصادي وثقافي في آن واحد.
و قالت معالي الدكتورة القبيسي إنه في رحلة بحثنا عن السلام والتعايش وسبل تحققهما لابد من التأكيد على أهمية تكريس قواعد المواطنة وتحصينها وتمكين المجتمع من خلال تمكين المرأة والشباب فتلك قضايا لم تعد قابلة للنقاش والجدال.. فالمرأة صانعة سلام حقيقية في مجتمعاتها والشباب هم قوة تغيير سواء في الاتجاهين الإيجابي أو السلبي وهم دعامة الحاضر وكل المستقبل وهم أيضا وقود تنظيمات التطرف والإرهاب وذخيرتها والاوكسجين الذي يجب حرمانها منه نهائيا.
وأكدت أن علينا أيضا ألا نستسلم لخطاب التطرف والغلو وألا نتوقف عن التصدي له بشتى السبل فهيمنة هذا الخطاب تعني الانزلاق إلى الصدام والصراع بين الأديان والحضارات.. وفي هذا الإطار نثمن غاليا خطوات وجهود فضيلة شيخ الأزهر والبابا فرانسيس بابا الفاتيكان على صعيد الحوار بين الأديان باعتبار ذلك مقدمة حتمية للسلام وتقارب الشعوب وتلاقي الحضارات والتصدي لدعاة الاحتراب والصراع الديني والثقافي.
وثمنت الدور الوطني التاريخي للبابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية وانتصاره للوطن والاصطفاف الوطني وتفويت الفرص على مثيري الفتن ومدبري المؤامرات.
وأوضحت : " أننا دائما ما نشعر بحاجة العالم للسلام وتلمستها شخصيا عن قرب في نظرة الضياع والحيرة من مستقبل مجهول أيقنتها في عيون طفلة بريئة ولدت في إحدى مخيمات اللاجئين وأنا أقبل جبينها .. و في نظرة الحزن والآسى التي اختلطت بالتسامح لدى شابة بلجيكية احتضنتها وهي تبكي خطيبها الذي كان أحد ضحايا تفجيرات بروكسل الإرهابية في محطة مترو ملبيك " .
و قالت معالي الدكتورة القبيسي : " لقد اجتمعتم اليوم جميعا هنا برسالة واحدة رسالة السلام وباسم السلام .. أدعوكم جميعا رجال دين وحكومات ومنظمات دولية وبرلمانيين ممثلين لشعوبنا لمواجهة مسؤولية كبيرة تجاه الشعوب والأجيال المقبلة وهي أن نعمل متحدين لصياغة مستقبل السلام الذي هو استثمارنا الحقيقي لينعم أبناؤنا جميعا بالأمن والطمأنينة.
- مل - عمد -